في حي “لا كاستيلان” الهامشي بمارسيليا، حيث يبتلع الأسمنت الأحلام قبل أن تولد، لم يكن الصمت علامة على الهدوء، بل كان نذيرًا للعاصفة. هناك، تعلم الفتى النحيل ذو الأصول الجزائرية درسًا قاسيًا: “إذا لم تضرب أولًا، ستُسحق”.
لم تبدأ قصة زين الدين زيدان في الملاعب العشبية الخضراء، ولا تحت أضواء “البرنابيو” الساطعة. بدأت في ساحة خرسانية قاسية، وسط أبراج سكنية مكتظة بالمهاجرين الذين لفظتهم فرنسا الفاخرة على هوامشها. كان زيدان في العاشرة من عمره، ليس “المايسترو” الذي نعرفه، بل طفلاً خجولاً يغلي من الداخل، يركض خلف الكرة بقميص واسع، لا ليهرب من المدافعين، بل ليهرب من واقعه.
لم يكن موهوبًا بالفطرة كما تروج الأساطير؛ كان “مشروع كارثة”. الكشافة الأوائل لم يكتبوا في تقاريرهم عن مهاراته السحرية، بل كتبوا بخط عريض: “بطيء، ثقيل الحركة، وسريع الغضب”. في إحدى مباريات الناشئين، لم يسحر الجمهور بهدف، بل صدمهم عندما لكم خصمًا سخر من أصله، ليخرج مطرودًا والدموع تخنق حنجرته. كان يظن أن مسيرته انتهت قبل أن تبدأ. ذلك الطفل الغاضب هو من سيحمل كأس العالم يومًا ما، لكن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود، بل بالأشواك والشكوك.
“القط” الذي يملك مخالب نمر
عندما انتقل المراهق زيدان إلى مدينة “كان” الساحلية، لم يأخذ معه سوى حقيبة ملابس صغيرة وجبل من القلق. كان يشعر بالاغتراب التام. فتىً بلكنة مارسيليا الثقيلة وسط أبناء الطبقة الفرنسية الراقية. كان يتصل بوالديه باكيًا، يتوسل العودة إلى “لا كاستيلان”.
في تلك الليالي الباردة، تشكلت شخصية زيدان الحقيقية. أدرك أن العودة تعني الفشل، والفشل يعني العودة للعمل في المستودعات كما كان يخشى والده “إسماعيل”. قرر أن يحول غضبه إلى وقود. تحول التدريب إلى معركة بقاء. كان ينام باكرًا بينما يسهر زملاؤه، ويشرب الماء بينما يحتسون النبيذ.
لكن الصراع لم يكن بدنيًا، بل كان نفسيًا. المدرب “جان فارود” رأى فيه شيئًا لم يره الآخرون: “يداه تتحدثان، وقدماه تعزفان”. المشكلة كانت في “رأسه”. كان زيدان عرضة للاستفزاز السهل. كلمة واحدة عن أخته أو أصله كانت كفيلة بتحويل “الراقص” إلى “ملاكم”. المعركة الأكبر لم تكن ضد يوفنتوس أو البرازيل، بل كانت ضد “يزيد” (لقبه في الحي) الذي يسكن داخله، ذلك الصوت الذي يهمس له: “إنهم لا يحترمونك، لقنهم درسًا”.
عبقرية الألم: حينما يصبح العيب ميزة
في تورينو، بقميص يوفنتوس، تحول الشك إلى فن. في إيطاليا لا يرحمون الضعفاء. كان التدريب جحيمًا، وكان زيدان يتقيأ من شدة التعب بعد كل حصة تدريبية. الصحافة الإيطالية وصفته في البداية بـ “اللاعب الجميل الذي لا يحسم المباريات”. قالوا عنه “بارد”.
لكن ما لم يفهموه هو أن برود زيدان كان قناعًا يخفي بركانًا. تعلم كيف يمتص الضغط ويحوله إلى لمسات حريرية. تلك “الروليت” الشهيرة، الدوران بالكرة 360 درجة، لم تكن استعراضًا، بل كانت طريقته الوحيدة لحماية الكرة في المساحات الضيقة، طريقة طفل الشوارع ليقول: “لن تأخذوها مني”.
جاء عام 1998، وكان العالم ينتظر رونالدو البرازيلي. فرنسا نفسها كانت مشككة في منتخبها “المتعدد الألوان”. زيدان، الذي طُرد في دور المجموعات بسبب دهسه للاعب سعودي (تذكيرًا بشيطانه القديم)، عاد في النهائي ليحمل أمة كاملة على رأسه. الرأس التي ستصبح أشهر رأس في التاريخ لاحقًا، كانت في تلك الليلة منقذة. هدفان، وصمت تام للمشككين.
لكن الألم لم يختفِ. النجاح لم يشفِ جرح “الغريب”. حتى وهو بطل قومي، كان يشعر بأنه مراقب، وأن أي خطأ سيعيده ليكون مجرد “ابن المهاجر”.
السقوط الأخير: الوجه البشري للأسطورة
لا يمكن لقصة زيدان أن تكتمل دون الحديث عن اللحظة التي توقف فيها الزمن. برلين، 2006. المباراة النهائية، الدقائق الأخيرة، وداع الأسطورة. السيناريو المثالي كان يتطلب هدف فوز، وداعية هوليوودية.
لكن الواقع كان أكثر قسوة، وأكثر إنسانية. عندما نطح زيدان المدافع الإيطالي ماتيرازي، لم يكن يضرب لاعبًا منافسًا فحسب. في تلك اللحظة، عاد زيدان الطفل، ابن “لا كاستيلان” الذي لا يسمح لأحد بإهانة عائلته. سقط القناع الملكي، وظهر الإنسان المجروح.
مشهد خروجه مطأطأ الرأس بجوار كأس العالم التي لم يلمسها، هو الصورة الأكثر صدقًا في تاريخ الرياضة. لم تكن قصة فشل، بل كانت قصة “نقص بشري”. هذا التصرف هو ما جعل زيدان قريبًا من الناس. هو ليس إلهًا كرويًا معصومًا، هو بشر يخطئ، يغضب، ويدفع الثمن غاليًا. هذا الألم، وهذا الخروج المأساوي، هو ما مهد للفصل الأكثر إثارة في حياته.
من الظل إلى العرش: المقامرة الكبرى
بعد الاعتزال، توارى زيدان عن الأنظار. ظن الجميع أنه سيكتفي بلعب الغولف والظهور في الإعلانات. “زيدان مدربًا؟ مستحيل!” قالها الكثيرون. “إنه انطوائي، لا يجيد الكلام، والتدريب يحتاج لخطيب مفوه”.
عندما عينه فلورنتينو بيريز مدربًا لريال مدريد في منتصف موسم منهار، ضحك المحللون. “مجرد درع بشري لحماية الرئيس”، “سيحترق تاريخه في أشهر”. وهنا تجلت عبقرية زيدان الحقيقية: الصمت.
في عالم يضج بالمدربين الذين يصرخون ويرسمون خططًا معقدة على الشاشات، دخل زيدان غرفة الملابس بابتسامة هادئة وصوت منخفض. لم يعلمهم كيف يمررون الكرة (فهم نجوم)، بل علمهم كيف يروضون غرورهم. نظر في أعين كريستيانو رونالدو وراموس ومودريتش، ورأوا فيه ما لم يروه في غيره: المصداقية.
لم يكن بحاجة للصراخ؛ فماضيه كان يصرخ نيابة عنه. حول ريال مدريد من فريق مفكك إلى آلة حصدت دوري أبطال أوروبا ثلاث مرات متتالية، إنجاز اعتبره الخبراء “مستحيلاً”. لم يفعل ذلك بالتكتيك الثوري، بل بـ “الإدارة الإنسانية”. كان يعرف متى يشد الحبل ومتى يرخيه، لأنه عاش كل تلك المشاعر من قبل. عرف كيف يواسي اللاعب الاحتياطي لأنه جلس على الدكة، وعرف كيف يهدئ النجم الغاضب لأنه كان ذلك النجم يومًا ما.
ما وراء الستار
اليوم، عندما ترى زيدان يقف على خط التماس، ببدلته الأنيقة وملامحه الجامدة، لا تنخدع بالمظهر. خلف هذا الهدوء، لا يزال يقف الطفل الذي ركض في أزقة مارسيليا، خائفًا وغاضبًا وحالمًا.
قصة زين الدين زيدان ليست قصة كرة قدم. إنها قصة صراع مع الهوية، ومع الطبع، ومع التوقعات. هي قصة تخبرنا أن “البطل” ليس الشخص الذي لا يسقط، بل هو الشخص الذي يجعل من سقطاته سلالم للصعود.
الدرس الذي يتركه لنا زيدان ليس في مهارة “الروليت” ولا في الكؤوس اللامعة، بل في شيء أعمق: أن أعظم الانتصارات هي تلك التي تخوضها ضد نفسك، وأن الصمت أحيانًا يكون أقوى من ألف كلمة، وأنك مهما صعدت إلى القمة، ستظل دائمًا ذلك الطفل الذي يحاول إثبات أنه يستحق المكان. في النهاية، لم يروض زيدان الكرة.. لقد روض الحياة.

