لماذا اختيرت أوتاوا عاصمة لكندا وليس تورنتو أو مونتريال؟

لا يتعلق اختيار العواصم دائمًا بالأهمية الاقتصادية أو الكثافة السكانية، بل هو في كثير من الأحيان قرار وجودي يهدف لحماية الدولة من الانهيار الداخلي أو الغزو الخارجي. اختيار أوتاوا (التي كانت مجرد بلدة لقطع الأخشاب) لتكون عاصمة لكندا بدلاً من المدن الكبرى الراسخة كتورنتو ومونتريال، لم يكن صدفة ملكية بقدر ما كان حلاً جراحيًا لمعضلة سياسية وعسكرية معقدة هددت بتمزيق الاتحاد الكندي قبل ولادته.

خريطة كندا توضح موقع أوتاوا مقارنة بتورنتو ومونتريال ولماذا اختيرت كعاصمة

1. الفوضى المتنقلة: لماذا فشلت المدن الكبرى؟

قبل استقرار القرار على أوتاوا في عام 1857، عاشت مقاطعة كندا (التي كانت تضم أونتاريو وكيبيك حاليًا) حالة من الشلل السياسي المعروف بمسألة “العاصمة المتنقلة”.

كان مقر البرلمان ينتقل بشكل دوري بين كينغستون، مونتريال، تورنتو، وكيبيك سيتي. هذا التنقل لم يكن مجرد إهدار للموارد، بل كان انعكاسًا للصراع العرقي واللغوي الحاد بين الكنديين الناطقين بالإنجليزية (في كندا العليا – أونتاريو) والناطقين بالفرنسية (في كندا السفلى – كيبيك). أي اختيار لإحدى المدن الكبرى كان يُفسر فورًا على أنه انحياز لطرف ضد الآخر، مما هدد بانهيار الاتحاد الفيدرالي الهش. كان البحث جاريًا عن “منطقة محايدة” لا تمنح الفوز لأي طرف.

2.الرعب من الغزو الأمريكي: العقدة العسكرية

في منتصف القرن التاسع عشر، كانت ذكرى “حرب 1812” مع الولايات المتحدة لا تزال حية في الأذهان، وكان التهديد بتجدد الغزو الأمريكي هاجسًا يوميًا للمخططين الاستراتيجيين البريطانيين.

تورنتو، وكينغستون، ومونتريال كانت جميعها تقع على خطوط المواجهة المباشرة أو قريبة جدًا من الحدود الأمريكية (بحيرات أونتاريو وإيري ونهر سانت لورانس). كانت هذه المدن سهلة القصف أو الاجتياح السريع في حال اندلاع حرب.

في المقابل، كانت أوتاوا تتمتع بميزة “العمق الاستراتيجي”. فهي تقع في الداخل، محاطة بغابات كثيفة وتبعد مسافة آمنة عن الحدود، مما يجعل وصول الجيش الأمريكي إليها يتطلب توغلاً بريًا صعبًا وطويلاً، مما يمنح الجيش البريطاني وقتًا للتنظيم والدفاع.

3. قناة ريدو (Rideau Canal): شريان الحياة اللوجستي

لم يكن موقع أوتاوا الجغرافي ميزة دفاعية فحسب، بل كان لوجستيًا بامتياز بفضل قناة ريدو.

هذه القناة المائية التي تربط أوتاوا بكينغستون على بحيرة أونتاريو، صُممت أصلاً كطريق إمداد عسكري آمن بعيدًا عن نيران المدافع الأمريكية التي قد تستهدف نهر سانت لورانس. وجود العاصمة عند نهاية هذا الشريان المائي ضمن قدرة الحكومة على استقبال الإمدادات وتحريك القوات بأمان حتى في حالة حصار المدن الحدودية الكبرى مثل تورنتو.

4. التسوية الجغرافية والثقافية: الحل الوسط

عند النظر للخريطة، تقع أوتاوا بدقة شديدة على الحدود الفاصلة بين مقاطعة أونتاريو (الإنجليزية والبروتستانتية آنذاك) ومقاطعة كيبيك (الفرنسية والكاثوليكية).

اختيار تورنتو كان سيعني هيمنة الإنجليز، واختيار مونتريال أو كيبيك سيتي كان سيعني هيمنة الفرنسيين. أوتاوا كانت الحل الوسط المثالي؛ مدينة تقع في أونتاريو لكنها تطل مباشرة على كيبيك عبر النهر، وتضم خليطًا سكانيًا من الإيرلنديين والفرنسيين والاسكتلنديين. كان اختيارها رسالة سياسية مفادها أن العاصمة للجميع وليست لطائفة أو عرق واحد.

5. أسطورة الدبوس الذهبي ودور الملكة فيكتوريا

شاع تاريخيًا أن الملكة فيكتوريا اختارت أوتاوا عشوائيًا عبر غرز دبوس قبعتها في الخريطة، أو لأنها أعجبت بلوحات مائية للمناظر الطبيعية هناك. لكن الحقيقة السياسية أكثر تعقيدًا.

الملكة لم تتخذ القرار بناءً على نزوة، بل بناءً على توصية دقيقة ومدروسة من مستشاريها الاستعماريين، وعلى رأسهم الحاكم العام السير إدموند هيد. كان الطلب المرفوع للملكة هو “التحكيم” لإنهاء النزاع الداخلي الذي عجز البرلمان الكندي عن حله. الملكة كانت الغطاء الشرعي لقرار استراتيجي تم التخطيط له مسبقًا من قبل النخبة السياسية التي أدركت أن أوتاوا هي الخيار الوحيد القابل للدفاع عسكريًا والمقبول سياسيًا.

6. تحييد نفوذ “الغوغاء” والضغط الشعبي

واحدة من النقاط التي يغفلها الكثيرون هي أحداث عام 1849، عندما قام متظاهرون غاضبون في مونتريال بإحراق مبنى البرلمان احتجاجًا على قانون تعويض خسائر التمرد.

هذه الحادثة رسخت قناعة لدى السياسيين بضرورة إبعاد العاصمة عن المراكز الحضرية الكبرى المكتظة بالسكان، حيث يسهل للجماهير الغاضبة محاصرة الحكومة وإسقاطها. أوتاوا، التي كانت آنذاك بلدة صغيرة وهادئة نسبيًا، وفرت بيئة معزولة تتيح للمشرعين العمل دون ضغوط الشارع المباشرة أو تهديد الشغب الشعبي الذي كان سمة للمدن الكبرى حينها.

ما لا يعرفه كثيرون عن أوتاوا قبل أن تصبح عاصمة

  • الاسم الأصلي: لم تكن تُعرف باسم أوتاوا، بل كانت تسمى “بايتاون” (Bytown) نسبة للعقيد جون باي الذي أشرف على بناء قناة ريدو. كان الاسم يفتقر للفخامة، وتغير إلى أوتاوا في 1855 تمهيدًا لرفع مكانتها.

  • السخرية الصحفية: عند إعلان القرار، سخرت الصحافة الأمريكية والكندية على حد سواء، واصفة المدينة بـ “قرية الأخشاب شبه القطبية”. كتب الصحفي والسياسي الكندي جولدوين سميث واصفًا إياها بأنها “موقع يجمع بين عيوب القطب الشمالي وعيوب الغابات”.

  • الطراز القوطي: تم بناء مباني البرلمان في أوتاوا عمدًا على الطراز القوطي الفيكتوري (المشابه لبرلمان لندن) لإضفاء هيبة وقدم مصطنع على مدينة جديدة، ولإشعار الزوار بأن الحكومة راسخة وقوية رغم حداثة العاصمة.

الخلاصة: انتصار الجغرافيا على التاريخ

لم تُختر أوتاوا لأنها كانت الأفضل أو الأجمل أو الأكثر ثراءً في ذلك الوقت؛ بل اختيرت لأنها كانت “الخيار الأقل ضرراً”. كانت تورنتو ومونتريال ضحايا نجاحهما وموقعهما؛ فتورنتو كانت إنجليزية للغاية ومكشوفة أمريكيًا، ومونتريال كانت فرنسية للغاية ومضطربة سياسيًا.

أوتاوا كانت انتصارًا للمنطق الجيوسياسي البارد: مدينة آمنة عسكريًا، تقع على صدع ثقافي دون أن تنتمي كليًا لطرف، وقادرة على حماية الحكومة من غضب الجماهير ومدافع الأعداء. لقد أثبت التاريخ صحة هذا الرهان، حيث تحولت بلدة الأخشاب النائية إلى مركز قرار سياسي مستقر في واحدة من أكثر دول العالم استقرارًا.

أسئلة شائعة (FAQ)

1. هل تورنتو هي عاصمة كندا؟

لا، تورنتو هي عاصمة مقاطعة أونتاريو وأكبر مركز مالي في كندا، لكن العاصمة الفيدرالية السياسية هي أوتاوا. هذا الخلط شائع بسبب شهرة تورنتو العالمية.

2. لماذا لم يتم اختيار مونتريال كعاصمة رغم أنها كانت الأكبر؟

مونتريال كانت العاصمة لفترة قصيرة، لكن حرق البرلمان فيها عام 1849 واضطراباتها السياسية، بالإضافة إلى قربها من الحدود الأمريكية، جعلها خيارًا غير آمن للحكومة المستقرة.

3. ما هي اللغة الرسمية في أوتاوا؟

كونها العاصمة الفيدرالية وتقع على الحدود بين أونتاريو وكيبيك، تعتمد أوتاوا سياسة ثنائية اللغة (الإنجليزية والفرنسية) في المؤسسات الحكومية والخدمات، لتعكس هوية كندا الموحدة.

4. هل كان للملكة فيكتوريا السلطة المطلقة في هذا القرار؟

نظريًا نعم، طلبت الحكومة الكندية من الملكة اتخاذ القرار لكسر الجمود البرلماني. لكن عمليًا، استندت الملكة إلى تقارير سرية وتوصيات من الحاكم العام والمكتب الاستعماري الذي فضل أوتاوا لأسباب دفاعية.