Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124

أن تكون المدينة هي الأكبر، والأغنى، والأكثر شهرة سياحيًا، لا يعني بالضرورة أنها صالحة لتكون “عقل الدولة”. في عام 1923، اتخذ مصطفى كمال أتاتورك قراراً صادماً بنقل العاصمة من إسطنبول (التي حكمت العالم لقرون) إلى أنقرة (التي كانت بلدة نائية في قلب الأناضول). هذا القرار لم يكن مجرد تغيير إداري، بل كان عملية “بتر” جراحية تهدف لإنقاذ الجسد التركي المتبقي من إرث الإمبراطورية المريض، وحمايته من مدافع الأساطيل الغربية.
السبب الأول والأكثر إلحاحاً كان عسكرياً بحتاً. إسطنبول، بموقعها الساحر على مضيق البوسفور، كانت “ساقطة عسكرياً” من وجهة نظر استراتيجية حديثة.
خلال الحرب العالمية الأولى، ثم خلال فترة الاحتلال (1918-1923)، أدرك القادة الأتراك أن إسطنبول مكشوفة تماماً أمام الأساطيل البحرية البريطانية والفرنسية واليونانية. كانت مدافع البوارج الراسية في البوسفور قادرة على قصف قصر السلطان ومباني الحكومة مباشرة.
نقل العاصمة إلى أنقرة كان بحثاً عن “العمق الاستراتيجي”. أنقرة تقع في قلب الهضبة الأناضولية، محمية بسلاسل جبلية، وبعيدة مئات الكيلومترات عن البحر، مما يجعل غزوها يتطلب توغلاً برياً دموياً وشاقاً لأي جيش معادٍ، وهو ما منح الدولة الجديدة حصانة طبيعية.
كان تأسيس الجمهورية التركية يتطلب ما هو أكثر من تغيير الدستور؛ كان يتطلب تغيير “الروح”. إسطنبول كانت تمثل كل ما أراد أتاتورك التخلص منه: الخلافة العثمانية، نفوذ رجال الدين، الفساد الإداري في “الباب العالي”، والذكريات المؤلمة للهزيمة وتفكك الإمبراطورية.
كان بقاء العاصمة في إسطنبول يعني استمرار هيمنة النخبة القديمة (الباشوات) وعرقلة أي إصلاحات جذرية. اختيار أنقرة كان بمثابة إعلان “ولادة جديدة”. كانت رسالة سياسية مفادها أن تركيا الحديثة هي دولة قومية للأتراك، وليست إمبراطورية متعددة الأعراق تحكمها سلالة عثمانية. أنقرة كانت “اللوحة البيضاء” التي سيكتب عليها النظام العلماني الجديد قوانينه بعيداً عن ظلال المساجد التاريخية والقصور السلطانية.
طوال قرون، كان العثمانيون يوجهون أنظارهم نحو أوروبا (البلقان) والشرق الأوسط، مهملين القلب التركي الصرف في الأناضول. كان الفلاح الأناضولي يدفع الضرائب ويقدم الجنود، بينما تذهب الثروات لتزيين إسطنبول.
اختيار أنقرة كان تصحيحاً لهذا الخلل الديموغرافي والاقتصادي. أرادت الحكومة الجديدة أن تقول إن مركز الثقل قد انتقل إلى الداخل، وأن التنمية يجب أن تبدأ من هذا القلب الجاف والفقير لتشع نحو الأطراف. كان مشروعاً تنموياً يهدف لربط شرق تركيا بغربها عبر نقطة ارتكاز مركزية، بدلاً من تركيز كل شيء في الزاوية الأوروبية القصوى من البلاد.
لم يتم اختيار أنقرة عشوائياً، بل لأنها اكتسبت “شرعية ثورية”. عندما كانت إسطنبول محتلة وخاضعة للإملاءات البريطانية، كانت أنقرة هي المقر الميداني لحرب الاستقلال التركية.
من أنقرة، أدار أتاتورك ورفاقه المعارك ضد اليونانيين وقوات الحلفاء. كانت المدينة (رغم تواضعها آنذاك) تمتلك ميزة لوجستية حاسمة: هي عقدة مواصلات تربط خطوط السكك الحديدية والتلغراف، مما سمح للمقاومة بالتواصل مع الجبهات المختلفة. العاصمة الجديدة استمدت شرعيتها من كونها الخندق الذي صمد حين سقطت القلاع الأخرى، مما جعلها الرمز الحقيقي للسيادة الوطنية المستعادة.
كانت إسطنبول مدينة كوزموبوليتانية (عالمية) بامتياز، تعج بالجاليات الأجنبية والشركات الأوروبية التي كانت تسيطر على الاقتصاد التركي عبر “الامتيازات الأجنبية”.
في نظر القوميين الأتراك، كانت إسطنبول مدينة مخترقة، حيث الولاءات موزعة والفساد مستشرٍ، وكان الدبلوماسيون الأجانب يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة. الانتقال إلى أنقرة أجبر السفارات الأجنبية (التي قاومت الانتقال لسنوات) على اللحاق بالحكومة إلى بيئة تركية صرفة، خالية من النفوذ التجاري والثقافي الأوروبي المباشر، مما سمح لصناع القرار الأتراك بالتفاوض والتخطيط في بيئة وطنية خالصة.
إسطنبول، بأزقتها الضيقة ومبانيها التاريخية المتراكمة، كانت عصية على التخطيط العمراني الحديث. لم يكن من السهل تحويلها إلى مدينة أوروبية الطراز دون تدمير إرثها.
أنقرة قدمت فرصة نادرة للمخططين المعماريين (مثل الألماني هيرمان يانسن) لبناء مدينة من الصفر وفقاً لأحدث النظريات العمرانية الغربية في ذلك الوقت: شوارع عريضة، حدائق عامة، ومباني حكومية ضخمة ترمز لهيبة الدولة. كانت أنقرة “المختبر” الذي أراد أتاتورك أن يثبت من خلاله أن الأتراك قادرون على بناء مدينة عصرية تضاهي مدن أوروبا، بعيداً عن العشوائية الشرقية المنسوبة لإسطنبول.
مقاومة السفارات: رفضت معظم الدول الكبرى (بريطانيا، فرنسا، أمريكا، إيطاليا) نقل سفاراتها إلى أنقرة لسنوات طويلة بعد 1923، وظلوا في إسطنبول مراهنين على سقوط نظام أتاتورك أو تراجعه، ولم ينتقلوا كلياً إلا في أواخر العشرينيات.
اسم “أنجورا”: كانت أنقرة تُعرف عالمياً باسم “أنجورا” (Angora)، واشتهرت بتصدير الصوف والماعز، وليس بالسياسة. تغيير الاسم وتثبيته كان جزءاً من تغيير الهوية.
النمو الانفجاري: صُممت أنقرة لتستوعب 500 ألف نسمة كحد أقصى، لكنها اليوم تجاوزت 5 ملايين، مما خلق مشاكل حضرية لم يتوقعها المخططون الأوائل الذين تخيلوها مدينة إدارية هادئة.
اختيار أنقرة لم يكن كرهاً في إسطنبول، بل كان حباً في البقاء. إسطنبول هي “القلادة الثمينة” التي يخشى عليها من السرقة، بينما أنقرة هي “الخزنة الحديدية” التي يُحفظ فيها القرار السيادي.
اليوم، تتقاسم المدينتان الأدوار بوضوح مذهل: إسطنبول هي العاصمة الاقتصادية، والثقافية، والواجهة السياحية لتركيا أمام العالم. بينما بقيت أنقرة هي العقل السياسي، والمركز العسكري، والمقر البيروقراطي الصارم. هذا الفصل بين “المال” و”الحكم” أثبت نجاحه في الحفاظ على استقرار الدولة التركية في محيط إقليمي مشتعل، مؤكداً أن الجغرافيا السياسية لا تعترف بالعواطف، بل بحقائق الأمن والقوة.
هذا احتمال شبه معدوم. الدستور التركي ينص في مواده الأولى (التي لا تقبل التعديل) على أن العاصمة هي أنقرة. بالإضافة إلى ذلك، المخاطر الجيولوجية (الزلازل) والاكتظاظ السكاني في إسطنبول يجعلها غير مؤهلة لاستعادة الدور الإداري.
تبعد أنقرة عن إسطنبول حوالي 450 كيلومتراً (حوالي 280 ميلاً). يمكن قطع المسافة في أقل من 5 ساعات بالسيارة أو بقطار السرعة العالي الذي يربط المدينتين الآن.
يعتقد أن الاسم مشتق من الكلمة اليونانية “أنكيرا” (Ancyra) والتي تعني “المرساة”. رغم أنها مدينة داخلية، إلا أن موقعها كان بمثابة مرساة لطرق التجارة القديمة، وهو اسم يعكس ثبات الموقع عبر التاريخ.
كانت مدينة تجارية متوسطة الأهمية على طريق الحرير، لكنها تدهورت في أواخر العهد العثماني لتصبح بلدة صغيرة لا يتجاوز سكانها 30 ألف نسمة قبل حرب الاستقلال، مما جعل تحولها لمدينة مليونية معجزة عمرانية.