في الثاني عشر من أبريل عام 2000، وفي قلب ملعب الأوليمبيكو بروما، لم يسمع اللاعبون صوت ركل الكرة، بل سمعوا صوتاً يشبه انكسار غصن شجرة يابس بقسوة. كان صوتاً جافاً، مرعباً، تبعه صراخ هيستيري مزق صمت الآلاف.
لم يكن ذلك مجرد لاعب يسقط؛ كان رونالدو الظاهرة يرى مسيرته تتبخر أمام عينيه. ركبته اليمنى، التي كانت قبل دقائق ترقص بالكرة وتذل المدافعين، خذلته وانفجرت حرفياً. الوتر الرضفي انقطع بالكامل، وعظمة الصابونة صعدت لتستقر في منتصف فخذه.
في تلك اللحظة، وبينما كان المدافع الإيطالي “كريستيان بانوتشي” يضع يديه على رأسه فزعاً من المشهد، لم يكن العالم يفكر في كأس العالم القادمة. كان الجميع، بما فيهم الأطباء، يتساءلون سؤالاً واحداً مرعباً: “هل سيتمكن هذا الشاب من المشي بشكل طبيعي مجدداً؟”.
هذه ليست قصة عن كرة القدم، بل هي قصة عن الجحيم الذي يسبق الجنة، وعن الشاب الذي مات رياضياً ليعود من القبر حاملاً قلباً جديداً.
سنوات العزلة في الغرفة المظلمة
لنتجاوز الألقاب والأهداف قليلاً، ولننظر إلى الإنسان خلف رونالدو الظاهرة. بعد تلك الليلة في روما، دخل رونالدو في نفق مظلم استمر لعامين كاملين. تخيل أنك تملك موهبة يصفها البعض بأنها “فضائية”، وفجأة تصبح عاجزاً عن ثني ركبتك لأكثر من 45 درجة دون أن تصرخ من الألم.
كانت التقارير الطبية “مروعة”. الطبيب الفرنسي جيرار سايان، الذي أجرى الجراحة، كان صريحاً بقسوة: “الركبة مدمرة. العودة للملاعب معجزة، والعودة للمستوى السابق مستحيلة”.
في منزله، بعيداً عن أضواء الكاميرات التي اعتاد عليها، عاش رونالدو صراعاً نفسياً لا يوصف. كان يقضي ما بين 8 إلى 10 ساعات يومياً في العلاج الطبيعي. جلسات تعذيب يومية لترويض جسد متمرد. يروي المعالج الطبيعي الخاص به، نيلتون بتروني، كيف كان يرى رونالدو يبكي بصمت وهو يحاول تحريك ساقه مليمتراً واحداً.
لم يكن الألم الجسدي هو العدو الوحيد؛ بل “الشك”. في تلك الليالي الباردة، كانت أشباح نهائي مونديال 1998 تطارده. العالم كله كان يتذكره بصورة “المتخاذل” أو المريض الذي أصيب بنوبة تشنج غامضة قبل النهائي ضد فرنسا وخسر اللقب. كان رونالدو يحمل وزر أمة كاملة تراه السبب في نكسة باريس، والآن هو “عاجز”. هل ستكون هذه هي النهاية؟ مجرد موهبة فذة دمرتها الإصابات؟
المقامرة الكبرى.. وشبح “اللاعب الزجاجي”
بحلول عام 2002، كانت البرازيل نفسها تعيش كابوساً. المنتخب تأهل بشق الأنفس للمونديال، والشعب يطالب بـ “روماريو”. لكن المدرب “لويس فيليبي سكولاري” اتخذ قراراً بدا للكثيرين جنونياً: استدعاء رونالدو، اللاعب الذي لم يلعب مباراة كاملة بمستوى عالٍ منذ عامين، والذي يلقبه الصحفيون الآن بـ “الرجل الزجاجي”.
عندما وصل رونالدو إلى معسكر المنتخب، كانت العيون ترمقه بشفقة ممزوجة بالتشكيك. لم يعد يمتلك تلك الانطلاقة الصاروخية التي كانت تسبق الصوت. زاد وزنه قليلاً، وبدت حركته حذرة. الصحافة العالمية لم ترحمه، العناوين كانت قاسية: “هل انتهى رونالدو؟”، “البرازيل تراهن على حصان أعرج”.
كان رونالدو يقرأ ويسمع كل شيء. الألم في ركبته كان يذكّره كل صباح بأنه يسير على خيط رفيع. أي احتكاك قوي، أي التواء بسيط، قد يعني الكرسي المتحرك للأبد. لكنه كان يمتلك سلاحاً لم يره الأطباء في صور الأشعة: الرغبة في الانتقام من القدر.
قصة “قصة الشعر” التي خدعت العالم
قبل نصف النهائي، اشتد الضغط. الجميع يتحدث عن ركبته، وعن احتمالية إصابته مجدداً. كان التوتر يخنق الفريق. هنا، قرر رونالدو أن يلعب لعبة نفسية ذكية، بعيدة كل البعد عن التكتيك.
دخل الحمام، وحلق رأسه بالكامل مبقياً على خصلة غريبة في المقدمة (قصة المثلث الشهيرة). عندما خرج، ضحك الجميع. سخرت الصحافة، وقال الناس إنه فقد عقله. لكن ما حدث هو السحر بعينه: توقف الجميع عن الحديث عن ركبته وبدؤوا يتحدثون عن شعره القبيح!.
لقد أزاح الضغط عن ساقه، وسمح لنفسه بالتنفس. كانت خدعة عبقرية من إنسان أدرك أن المعركة نفسية بقدر ما هي بدنية.
ولكن، بقيت الليلة الأكثر رعباً. ليلة المباراة النهائية في يوكوهاما. نفس توقيت كابوس 1998. رونالدو كان مرعوباً من فكرة النوم. كان يخشى أن ينام فتداهمه التشنجات مرة أخرى ويستيقظ ليجد الحلم قد ضاع.
في لفتة إنسانية نادرة، رفض الحارس البديل “ديدا” أن يتركه وحيداً. ظل رونالدو مستيقظاً يتحدث، يمشي في الممرات، يهرب من النوم وكأنه عدو، حتى موعد الغداء يوم المباراة. كان رجلاً يطارده ماضيه، ويحاول الفرار منه إلى أرض الملعب.
يوكوهاما.. وتطهير الروح
الثلاثون من يونيو 2002. ألمانيا ضد البرازيل. في المرمى الآخر يقف “أوليفر كان”، الحارس الذي لم يدخل مرماه سوى هدف واحد طوال البطولة، والذي صرح قبل المباراة بثقة مفرطة.
بدأت المباراة، وكان رونالدو يركض وكأنه يحمل صخرة “سيزيف”. الفرص تضيع، والتوتر يتصاعد. لكن في الدقيقة 67، حدث التحول. خطأ نادر من “كان”، ورونالدو -بحدس الصياد الذي لا يموت- كان هناك. لم تكن ركلة قوية، كانت لمسة بسيطة، لكنها كانت أثقل هدف في تاريخه.
ثم جاء الهدف الثاني. استلام، تمويه بجسده دون لمس الكرة (المهارة التي اعتقدنا أنها ماتت مع ركبته)، ثم تسديدة أرضية في الزاوية.
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية، لم يركض رونالدو للاحتفال بجنون. انهار على مقاعد البدلاء. غطى وجهه وانخرط في نوبة بكاء هيستيرية. لم تكن دموع الفرح باللقب الخامس للبرازيل فحسب؛ كانت دموع شخص تخلص للتو من مائة طن من الألم الجاثم على صدره.
في تلك اللحظة، رأى العالم كله الندوب على ركبتيه. تلك الندوب كانت أوسمة حقيقية، أصدق من الميدالية الذهبية التي طوقت عنقه.
ما بعد الصافرة
عاد رونالدو في 2002 ليس كـ “الظاهرة” الخارقة التي لا تُمس، بل عاد كبشر. بشر تحطم، وتهشم، وتم نعيه، لكنه أعاد تجميع نفسه قطعة قطعة.
لم تعد سرعته كما كانت، لكن ذكاءه أصبح أحدّ. لم يعد يتجاوز خمسة لاعبين بلمحة بصر، لكنه تعلم كيف يقتل الخصم بلمسة واحدة.
قصة رونالدو 2002 تعلمنا درساً قاسياً وجميلاً في آن واحد: الحياة قد تكسرك في أكثر الأماكن التي تعتز بقوتها، وقد يظن الجميع أنك انتهيت. لكن العودة لا تتطلب أن تكون كما كنت في الماضي، بل تتطلب أن تقبل ندوبك، وتصنع منها نسخة جديدة، أكثر حكمة، وأكثر صلابة.
لم تكن تلك البطولة تتويجاً لمنتخب البرازيل، بل كانت تتويجاً للإرادة البشرية ضد هشاشة الجسد. في تلك الليلة في اليابان، لم يرفع رونالدو كأس العالم فقط، بل رفع سقف الأمل لكل يائس ظن أن فرصته في الحياة قد انتهت.


